أحمد بن علي القلقشندي

43

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

هذا ما وقع الاتّفاق والتّراضي عليه من الجهتين ، وبذلك جرى القلم الشريف السلطانيّ الملكيّ الظاهريّ : حجّة بمقتضاه ، وتأكيدا لما شرح أعلاه . كتب في تاريخ كذا وكذا . وهذه نسخة هدنة من هذا النّمط ، عقدت بين السلطان الملك الظاهر « بيبرس » أيضا ، وبين ملكة بيروت ( 1 ) من البلاد الشامية ، في شهور سنة سبع وستين وستمائة حين كانت بيدها ، وهي : استقرّت الهدنة المباركة بين السّلطان الملك الظاهر ركن الدين

--> ( 1 ) هي الملكة « إيزابيلا » الابنة الكبرى للملك « جان دي إبلن » الثاني . وقد خلفته بعد وفاته وأصبحت ملكة بيروت من 662 إلى 680 ه ( 1264 - 1282 م ) . وكان يساعدها في حكم مدينة بيروت نفسها « همفري دي مونتفرت » زوج أختها « آشيف » ، والذي عرف ب « صاحب بيروت » . وبعض المراجع العربية تطلق على هذه الملكة اسم « الدبونة » وهو تعريب لاسم البيت الحاكم في بيروت آنذاك « دي إبلن » . ويسميها ابن عبد الظاهر : الملكة « زابين » . وبعد ثلاث سنوات من عقد الهدنة تزوجت ملكة بيروت « إيزابيلا » من « هامو الغريب » Hamo L'Estrange سنة 670 ه / 1272 م والذي أوصى قبل وفاته بوضع زوجته ومملكة بيروت تحت حماية السلطان الظاهر بيبرس ، وذلك خشية مطامع « هيو الثالث » ملك قبرص . وصارت ملكة بيروت كلما سافرت إلى قبرص تذهب إلى لقاء السلطان بيبرس وتترك مملكتها وديعة بين يديه إلى حين عودتها . وأقدم « هيو الثالث » على خطف إيزابيلا بعد وفاة زوجها سنة 671 ه كي يزوجها في قبرص من الشخص الذي يختاره لها ، ليستغلها كوريثة لعرش قبرص في مشاريعه الصليبية في الشرق ( ذلك أن إيزابيلا تزوجت وهي طفلة من ملك قبرص هيو الثاني الذي مات قبل أن يعقد عليها ) ولكن السلطان بيبرس احتج على هذا العمل ، وهدد بضرورة تنفيذ وصية هامو زوج إيزابيلا ، فاضطر الملك هيو الثالث أن يعيد إيزابيلا إلى بيروت حيث اتخذت لنفسها حرسا من المماليك . وهذا الأمر يؤكد سلطة المماليك التي أخذت تقوى شيئا فشيئا على الصليبيين المحتلين للسواحل الإسلامية ، وخاصة في بيروت التي استمرت الملكة إيزابيلا تحكمها حتى وفاتها سنة 680 ه تاركة حكمها لأختها « آشيف » . ( انظر تاريخ بيروت لعصام محمد شبارو : ص 87 - 88 - 90 - 91 - وتاريخ بيروت أيضا لصالح بن يحيى : ص 73 - والروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر لمحيي الدين بن عبد الظاهر : ص 358 ) .